المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ....تنانين البحر الورقانية(*)


عز الوصايفة
04-05-2010, 12:01 AM
....تنانين البحر الورقانية(*)

إن هذه التنانين هي أسياد التمويه وهي حيوانات مفترسة ضارية وأحد الأنواع

الحية القلائل التي تصير الذكور فيها حبالى.

<P. گروڤز>



كانت المياه صافية وهادئة وعاتمة. وبينما كنت أُلقي بنفسي مع زملائي الغوّاصين في الماء الجليدي من مؤخّرة القارب، سَرَتْ قشعريرة في جسدي بسبب البردِ وإحساس الترقب لديّ. كان الوقت ليلا حين كنا نغطس في المحيط الجنوبي على مبعدة من الشاطئ الجنوبي الغربي من أستراليا، سعيا وراء مخلوقات تبدو أسطورية إلى حد ما. لقد كنا نبحث عن تنّين، وبتحديد أدق تنّين البحر الورقاني(1). وحسبما يتطلّب برنامج الاستنسال (التربية) breeding الذي كنا نجريه في المركز العالمي للمياه العميقة، فقد أردنا الإمساك بواحد من الذكور يكون ذكرا حاملا (حُبلى) a pregnant male.



http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008522.jpg

تقطن تنانين البحر الورقانية المياهَ الواقعة على مبعدة من الشاطئ الجنوبي الغربي لأستراليا. ويمكن أن تصل الأفراد المكتملة النمو إلى 50 سنتيمترا طولا (نحو 20 بوصة). وتُعَدُّ التنانين أقرباء وثيقين لأحصنة البحر والسمك الأنبوبي، التي تشكل فصيلة حيوانية تتميّز بلويحات عظمية تحيط بأجسامها، كما تتميز بخطوم (خراطيم) snouts أنبوبية الشكل. ويضاف إلى ذلك أن ذكور هذا النوع هي التي تصبح حبالى.




يُعَدّ تنّين البحر الورقاني (الذي يحمل اسم فيكودوروس إيكيس Phycodurus eques) وقريبُهُ الأكثر شيوعا تنّين البحر الطحلبي weedy sea dragon (الذي يحمل اسم فيلوبتركس تينولاتوس Phyllopteryx taeniolatus)، النوعين المعروفين الوحيدين لتنين البحر في العالم. وهذه الحيوانات ـ إضافة إلى حصان البحر والسمك الأنبوبي (أبو زمّارة) pipefish ـ تنتمي إلى فصيلة زُمّارات البحر(2)؛ التي هي أسماك تتميز بهيكل خارجي قاسٍ يأخذ شكل سلسلة حلقات حول جسم الحيوان، كما تتميز بخرطوم(3) أنبوبي يخلو من الأسنان. ولعل أهم ما يميز تنانين البحر تلك اللواحق(4) السرخسية الشكل التي تتفرع من أجسامها ذات اللويحات الدرعية. وكما يدل اسمه، فإن لواحق تنّين البحر الورقاني تكون أعرض وأكثر تسطُّحا من اللواحق الخيطية لتنين البحر الطحلبي. ونشير هنا إلى أن كلا من هذين المخلوقين حيوان مستوطن بالنسبة إلى خط الساحل الأسترالي الجنوبي. وتعتبر المياه القريبة من جزر الأرخبيل Archipelago of the Recherche، حيث كنا نقوم بالغطس، مأوى مفضلا لتنانين البحر. فهذه الجزر الگرانيتية الكبيرة ذات الخضرة المتناثرة تعد ملاذا لتشكيلة مذهلة من حيوانات غريبة لا يوجد بعضها في أي مكان آخر في العالم. وتغوص السطوح الگرانيتية الشاقولية لهذه الجزر تحت الأمواج مئات الأمتار في الأعماق الدامسة.



http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008523.jpg

تفقس (تنقف) التنانين الصغيرة من بيوضها حاملة كيسا مُحِيًّا صغيرا مربوطا بها. ويزوِّد هذا الكيس التنين الصغير بالغذاء طوال الأسابيع القليلة من حياته، مع العلم بأن التنانين الحديثة الولادة تستطيع السباحة واصطياد الطعام بشكل آني تقريبا.




وفيما كنت مستمرا بالهبوط مرَّ بجانبي سرب من سمك خنزيري boarfish له مظهر كائنات ما قبل التاريخ، يبلغ طول السمكة الواحدة منه نحو نصف متر، وبدا وكأنه يتهادى بنشوة. وعلى بعد 15 مترا أسفل مني (نحو 50 قدما) تعرَّف ضوء مشعلي صخرةً مكسوّة بالطحالب. وعلى مقربة من عشب الحمول kelp والسرجس البحري sargassum الموجود على الصخرة، وجَّهت شعاع الضوء مجددًا في المجرى المائي المفتوح. لا جديد، فكل شيء ساكن وهادئ؛ ثم جاء الفرج حين تبيَّن لي أن أسماك قرش بيضاء كبيرة اتخذت من هذه المياه مبيتا لها كذلك.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008524.jpg


تحمل الذكور الحبالى البيوض مدة تتراوح ما بين 4 و 5 أسابيع، في مسنَّنات كوبيّة الشكل تحت أذنابها. وفي البداية تنتج الإناث هذه البيوض، ولكنها تنقلها إلى الذكور فيما بعد لإخصابها وحَضْنها ومن ثم فقسها. ولا يُعرف إلا القليل عن الدورة التكاثرية لتنانين البحر الورقانية. فعلى سبيل المثال، لا يعرف الباحثون مؤكدا عدد مرات الإنجاب سنويا لدى تنانين البحر.




وحينما وجهت الضوء ثانية إلى الصخور، سرعان ما تغافلت عن الخطر الذي قد يكون مستترا وركَّزت انتباهي على مبتغاي؛ إذ إن ملاقاة تنانين البحر، باعتبارها حاذقة التمويه، تكون أكثر سهولة في الليل لدى توجيه ضوء المصباح عليها منه في النهار، حين تضج الحياة البحرية بالنشاط وتُشَتِّت الانتباه. وبعد دقائق قليلة من البحث، عثرت على تنين بحر. وما إن هدأ خافقي، حتى تحققت بكل جَزَع أن المخلوق الذي عثرت عليه لم يكن إلا تنين بحر طحلبيا.



http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008525.jpg

تتمازج تنانين البحر مع بيئاتها على نحو يجعل من الصعب على الحيوانات المفترسة اكتشافها، ويصادف البشر كذلك مثل هذه الصعوبة. ولذلك غالبا ما يغوص ليلا أولئك الذين يأملون في رؤية أحد هذه التنانين، إذ يمكنك أن تتبين هذه الحيوانات على نحو أفضل في ضوء المصباح الكاشف.




وبعد غوص في الظلام استغرق ساعة بدرجة حرارة 15 مئوية (تعادل 59 فرنهايت)، بدأت أشعر بالخدر في أطرافي، وغدوت مضطرا لإنهاء المهمة. فقررت أن ألقي نظرة واحدة وأخيرة على قطعة جلمودية فوق رأسي قبل أن أعود إلى السطح لأخذ حمامٍ ساخن لطيف. وفيما كنت أنساب فوق الجلمود لمحتُ فجأت ما أتيت من أجله: إنه ذَكَرُ تنينِ بحرٍ ورقاني بالغ ذو حجم يقارب طبق العَشاء ومزود بحَضْنَةٍ من البيوض.



تعدُّ تنانين البحر وأقرباؤها من فصيلة زمّارات البحر فريدة في عالم الأسماك، من حيث كون الذكور فيها تحمل البيوض وتفقسها خارج أجسامها. فالبيوض التي وجدتها على الذَّكَر كانت جيدة النمو (ذات أعمار لا تقل عن ثلاثة أسابيع)، ومتثبتة بقوة داخل مسنَّنات كوبيَّة الشكل على الجانب السفلي من أذنابها، كما كانت مغطاة بالطحالب. ويعتقد العلماء أن هذا النمط من سلوك الاستنسال breeding إنما تطور من أجل إخفاء البيوض عن الحيوانات المفترسة المحتَمَلة.



ولحسن الحظ أن هذا التنين الذكَر كان متواجدا في المياه الضحلة نسبيا التي يبلغ عمقها نحو خمسة أمتار. فلو كان أعمق من ذلك، لكان علينا أن نرفعه إلى السطح ببطء يسمح بإعطاء ذلك المخلوق فسحة من الزمن لتعديل الضغط المتناقص فوقه. ويمكن لسيرورة نَزْع الضغط decompression process هذه أن تسبّب للتنين إجهادا (كربا) stress يكفي لفقدان البيوض.



وفور وصولنا بالتنين سالما إلى الساحل أسرعنا إلى بلدنا، فوصلنا بعد طيران ساعتين ـ بطائرة مستأجرة خصيصا ـ إلى مرفق الحجر الصحي في المركز العالمي للمياه العميقة، الذي يُعد الأكواريوم(5) الوحيد في أستراليا لعرض هذه الحيوانات المذهلة. وهنا اتخذنا جميع الاحتياطات المعتادة للحيلولة دون إجهاد التنين، إذ قد تكفي التبدلات المفاجئة بالضوء لموت التنين الورقاني. وبعد مرور يوم على ذلك، وضعنا في حوض الاستنسال (التربية) هذا بعض الروبيان الميسيدية mysid shrimps لا يتعدى طول الواحدة منها بضعة ملّيمترات، وبدأ التنين يأكل على الفور تقريبا. ونشير هنا إلى أن تنانين البحر تحاكي الأعشاب البحرية في انسيابها، مما يمكِّنها من التربُّص بفرائسها الميسيدية، ومن ثم الانقضاض عليها وذلك بتوسيع سريع لوصلةٍ joint على الجزء السفلي من خرطومها (خطمها) والتأثير بقوةِ مصٍّ suction force تسحب الروبيان إلى داخل التنين.



وبعد قضاء أسبوع في الأكواريوم بدأت البيوض المكسوة بالطحالب على ذيل الذكر الأسير بالفقس (النَّقْف) hatch. ففي البداية برز ذيل صغير من إحدى البيوض، وأخذ يتلوَّى ويتمعّج. وبعد عدة نفضات ظهر الطفل الأول لتنِّيننا البحري، وإذْ به نسخة مصغَّرة من والديه. هذا ويبلغ طول تنانين البحر الورقانية عند الولادة نحو عشرين مليمترا (0.8 بوصة)، ولكنها حين تبلغ النضج في زمن يتراوح ما بين 12 و 18 شهرا يمكن أن يصل طولها إلى خمسين سنتيمترا. وعملية فقس جميع البيوض البالغ عددها 210 استغرقت عشرة أيام. ولا يخفى أن هذا الزمن يسمح للتنانين في مكانها الطبيعي (الفطري) أن توزع التنانين الوليدة في مساحة واسعة، مما يقدم لها فرصة أفضل لكسب غذائها (قوتها) من دون حاجة إلى منافستِها إخوتَها.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008526.jpg


تنانين البحر الطحلبية، إنها النمط الأكثر شيوعا بين التنانين، وتمتلك من اللواحق ما هو أقل من أقاربها العشبية herbaceous، ولكنها ذات حجوم تساوي تقريبا حجوم التنانين الورقانية. ويحمل ذكور هذا النوع البيوضَ مدة تتراوح بين 4 و 5 أسابيع خلال أشهر الصيف. وتقطن تنانين البحر الطحلبية هذه مياه الشاطئ الجنوبي لأستراليا.




ولسوء الحظ أننا فقدنا عشرة من التنانين الحديثي الولادة الصغيرين جدا عبر مَسْرب لأحد مصافي الحوض، ولكن الباقي عاش وبدا نشيط النمو في موطنه الجديد. وبعد بضعة أسابيع، لم يعد بإمكاننا تأمين ما يكفي من الروبيان المسيدية للاستمرار في إطعام التنانين المئتين، ولذلك تدبّرنا إرجاع معظمها إلى حيث وجدنا آباءها. ولا يخفى أن فرص البقاء على قيد الحياة في ذلك الموقع الفطري (الطبيعي) بالنسبة2 إلى هذه التنانين ستكون أوفر حظا، علما بأن الأسابيع القليلة الأولى من حياة تنين البحر تكون محفوفة بالأخطار؛ لكون التنانين الصغار فريسة شائعة للأسماك الأخرى. وبالطبع، إن أطفالنا التنانين صارت أكبر حجما وأقل ضعفا من ذي قبل عند ولادتها. وفي الحقيقة، إن العواصف التي تجرفها نحو الشاطئ ستكون الآن أكبر مهدِّد محتمل يواجهها. ونشير هنا إلى أن تنانين البحر تعيش في الحالات العادية (النموذجية) نحو 7 - 5 سنوات.



طقوس الاقتران2

في عام 1997، وبعد عامين من غوصتي القارسة البرودة في الأرخبيل، غدت واحدة من التنانين البحرية الورقانية اليافعة ـ وهي أنثى ـ كبيرة البطن جدا. وقد كانت في الأسابيع الماضية تقضي جزءا كبيرا من وقتها جنبا إلى جنب مع واحد من تنانيننا الورقانية الذكور. وقلما كان الاثنان يفترقان، وكذلك غدا ذيل الذكر منتفخا بالسوائل ومتغضِّنًا بالمظهر، مما يُعدُّ علامة أكيدة على اقتراب الشروع بالاقتران. وبانتظار ما يمكن أن تكون المشاهدة الوثائقية الأولى للاقتران عند تنانين البحر جلست أرصد عن قرب وبجانبي آلة تصوير الڤيديو.



http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N1_H07_008527.jpg

حيوان أم نبات؟ تُعَدُّ تنانين البحر سادة التمويه، وغالبا ما تشبه الطحالبَ البحرية المنسابة. ويمكِّنها هذا التكتيك من الإطباق على فرائسها. تقتات التنانين على الروبيانات الميسيدية البالغة الصغر، وإذا أخفق التمويه في حمايتها من الحيوانات المفترسة مثل (القرش أو الأسماك الأكبر منه)، فإنها (أي تنانين البحر الورقانية) تحاول أحيانا أن تصدّ الهجوم باستخدامها بضع أشواك طويلة حادة توجد على طول أجسامها.




وعلى مدى الأيام القليلة تعانق التنينان في رقصة باليه رهيفة، تشابكت فيها لواحقهما الورقية الشكل وتهاديا نزولا وصعودا في الماء. كانا يتمايلان يسرة ويمنة ونحو الأعلى والأسفل على نحو يشبه مباراة مصارعة تحت الماء. ولسروري الشديد، سرعان ما بدأت البيوض تظهر خارجة من بطن الأنثى، ولكن للحظات قصيرة من الزمن؛ إذ شوهدت تجمعات من ثلاث إلى خمس بيوض برتقالية لامعة تتساقط نحو أرض الأكواريوم (المربى المائي). وبلغ مجموع ما تساقط في نحو ساعة من الزمن مئة وخمسين بيضة من دون أن يصطدم أي منها بذيل التنين الذَّكَر.



ولما لم يلاحظ أو يسجِّل أيّ امرئ الانتقال الناجح للبيوض غير الملقحة unfertilized من الأنثى إلى الذكر بقصد إخصابها وحَضْنها، فإننا لسنا متأكدين كيف يُفترض أن تحدث هذه السيرورة. ولكن من السليم أن نقول إن شيئا ما مرَّ خطأ في هذا الوقت. فلربما أن وجود تنانين البحر الأخرى في حوض الاستنسال (الاستيلاد) المائي صرف انتباه القرينين. ولقد فوجئنا برؤية الأنثى تبدو منهكة تماما بعد وضع البيوض، إذ كانت تطفو بلا حراك على السطح. ولكنها في اليوم التالي بدأت تسبح وتقتات مجددا.



م/ن